ونقل التقرير عن مصدر عراقي مسؤول قوله إن الرسائل الأمريكية تمثل تحذيراً مبطناً للفصائل من مغبة استهداف المصالح الأمريكية أو مصالح الدول الحليفة لواشنطن في المنطقة، مشيراً إلى أن إبلاغ الحكومة العراقية بهذا التوجه يحمل رسالة مفادها أن بغداد لن تكون قادرة على حماية تلك الفصائل في حال تكرار هجماتها.
وأضاف المصدر أن إثارة هذا الملف قد ترتبط أيضاً باحتمالات توجيه ضربة أمريكية إلى إيران عقب الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية وانتخابات التجديد النصفي الأمريكية، لافتاً إلى أن التفاهمات الجارية بين الحكومة العراقية والقيادات الأمنية تستند إلى اتفاقية الإطار الاستراتيجي والاتفاق الأمني بين بغداد وواشنطن.
تفاهمات بشأن حصر السلاح
وبحسب المصدر، نجحت جهود الحكومة العراقية، بالتنسيق مع قادة الإطار التنسيقي، في إقناع أربعة فصائل مسلحة بقبول فرض سيطرة الدولة الكاملة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، فيما أبدت ثلاثة فصائل أخرى تحفظات أولية.
وأشار إلى أن لجنة مشتركة برئاسة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي تدخلت لمعالجة الخلافات والتوصل إلى تفاهمات متقدمة تهدف إلى تهدئة الأوضاع وتجنب اللجوء إلى الخيار العسكري.
وفي السياق ذاته، قال الخبير العسكري واللواء المتقاعد صفاء الأعسم، إن صحة التسريبات المتعلقة بإلغاء الإخطار المسبق تعني توجيه رسالة ردع مباشرة إلى الفصائل المسلحة، فضلاً عن منح الحكومة العراقية مساحة سياسية للتأكيد أنها لم تكن على علم مسبق بأي ضربات محتملة ولم تنسق بشأنها.
وأوضح الأعسم أن الاستراتيجية الأمريكية منذ السابع من تشرين الأول 2023 تركز على فك الارتباط بين العراق وإيران، محذراً من أن أي تحرك للفصائل قد يعرّض مقراتها العسكرية لضربات، خصوصاً في ظل ما وصفه بالإسناد اللوجستي الذي تتلقاه بعض الجماعات عبر الحدود.
وأضاف أن العراق يواجه وضعاً معقداً، إذ إن استهداف مقرات هيئة الحشد الشعبي أو الفصائل المسلحة قد يفتح الباب أمام أزمة سياسية وأمنية داخلية، ويضع الحكومة في مواجهة مباشرة مع الجماعات المسلحة.
تحذيرات من الانخراط في مواجهة إقليمية
وأشار التقرير إلى أن رسائل تحذيرية أمريكية نُقلت، وفق مصادر حكومية وإعلامية، إلى مسؤولين عراقيين عبر قنوات رسمية، وتضمنت تهديداً باستهداف مقرات الجماعات المسلحة وقادتها بصورة مباشرة إذا انخرطت في حرب محتملة أو قدمت دعماً عسكرياً لطهران.
وبحسب تلك المصادر، فإن الرسائل تتضمن توجهاً نحو إلغاء قواعد التنسيق المسبق والانتقال من سياسة الرد الدفاعي المقيد إلى استهداف أي نشاط يُنظر إليه على أنه تهديد للمصالح الأمريكية، من دون التقيد بالتفاهمات المحلية السابقة.
بغداد بين حصر السلاح وتحديات السيادة
ووفق التقرير، تضع التطورات الحكومة العراقية أمام تحديات تتعلق بفرض سلطتها الدستورية وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة، بالتزامن مع وجود فصائل تتبنى مواقف أيديولوجية وسياسية مرتبطة بإيران، وقد تعتبر أي استهداف لطهران سبباً لإنهاء التهدئة والانخراط في المواجهة.
كما تواجه بغداد، بحسب التقرير، مخاطر اقتصادية محتملة في ظل ترابط مصالح العراق المالية والاقتصادية مع الولايات المتحدة، بما في ذلك حركة شحنات الدولار والاحتياطيات المالية، الأمر الذي يزيد من تعقيدات إدارة الأزمة.
وتطرق التقرير أيضاً إلى محدودية قدرة الحكومة على منع الخروقات الجوية، بما فيها تحليق طائرات الاستطلاع والمسيّرات، معتبراً أن ذلك يضيّق هامش المناورة الدبلوماسية أمام بغداد ويجعل ملف السيادة مرتبطاً بقدرة المؤسسات الرسمية على ضبط السلاح ومنع استخدام الأراضي العراقية في الصراعات الإقليمية.
وخلص التقرير إلى أن استقرار العراق سيظل مرتبطاً بمدى نجاح الحكومة والقوى السياسية والأمنية في تثبيت التهدئة واحتواء الخلافات مع الفصائل المسلحة، في وقت تترقب فيه بغداد تداعيات التوتر بين واشنطن وطهران واحتمالات انعكاسه على الوضع الأمني والسياسي داخل البلاد.


