في باكستان.. حديث للبنك الدولي عن ارتفاع معدلات الفقر
وثقت أحدث تقييمات البنك الدولي للفقر تراجعاً في المكاسب التي تحققت سابقاً في باكستان، في حين يتسم النقاش الاقتصادي في البلاد بتناقضٍ؛ إذ يُقدَّم استقرار الاقتصاد الكلي كدليلٍ على التعافي، في حين لا تزال الأسر تعاني من تكاليف الغذاء والكهرباء والنقل والسكن.
وقد يشهد الاقتصاد تحسناً في موازينه الخارجية واحتواءً للمخاطر المالية، دون أن يترجم ذلك إلى توفير فرص عمل كافية، أو حماية للدخل الحقيقي، أو استعادةٍ للقدرة الشرائية. فبالنسبة للأسر، يعني التعافي القدرة على شراء الغذاء، ودفع الإيجار، وتعليم الأطفال، وتغطية النفقات الطارئة دون الوقوع في فخ الديون.
وانخفض معدل الفقر الوطني في باكستان من 64.3% في الفترة 2001–2002 إلى 21.9% في الفترة 2018–2019. لكن تقديرات البنك الدولي تشير إلى ارتفاعه ليصل إلى نحو 29% في الفترة 2024–2025، مما يعني أن قرابة 70 مليون شخص يعيشون الآن تحت خط الفقر الوطني. كما انخفضت الأجور الحقيقية بمتوسط 3.4% سنوياً بين عامي 2018–2019 و2024–2025.
وتثير هذه الأرقام تساؤلات حول مدى استدامة جهود خفض الفقر والنمو الاقتصادي؛ إذ يمكن لأي أسرة تقف بالكاد فوق خط الفقر أن تهبط تحته بسبب المرض، أو فقدان الوظيفة، أو ارتفاع الإيجارات، أو أي زيادة أخرى في النفقات الأساسية. وتكمن التحدي في بناء اقتصادٍ يُمكّن الأسر من الحفاظ على سبل عيشها رغم الصدمات الاقتصادية.
ولا يعني انخفاض معدل التضخم عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، بل يعني أنها باتت ترتفع بوتيرة أبطأ. فبعد سنوات متتالية من ارتفاع الأسعار، قد تظل الأسر تعاني حتى مع تباطؤ معدلات التضخم.
وبلغ معدل تضخم أسعار المستهلك في باكستان 10.26% على أساس سنوي في سبتمبر 2026، بينما تشير توقعات صندوق النقد الدولي الصادرة في أكتوبر إلى أن متوسط التضخم سيبلغ 9.9% خلال السنة المالية 2026–2027.
ويتجلى هذا الضغط بوضوحٍ أكبر في ميزانيات الأسر المخصصة للغذاء؛ إذ قد تضطر العائلات -بسبب تكاليف السلع الأساسية كالقمح والدقيق والخضروات واللحوم- إلى اتخاذ خياراتٍ صعبة للغاية. عندما تصبح اللحوم أقل قدرة على تحمل تكلفتها، قد تلجأ الأسر إلى شرائها بوتيرة أقل. كما يمكن لارتفاع تكاليف الغذاء أن يضطر الأسر إلى تقليل الكميات، أو التنازل عن تنوع النظام الغذائي، أو تأجيل نفقات أخرى.
ويُعدُّ العمال الذين يتقاضون أجوراً يومية، والمتقاعدون، والعاملون في القطاع غير الرسمي، أكثر عرضة للتضرر عندما لا تواكب دخولهم ارتفاع الأسعار. فالمعيار المهم هنا ليس مقدار ما يكسبه الأفراد من الروبيات فحسب، بل ما يمكن شراؤه بهذه الروبيات، وما تضطر الأسر للتضحية به لتلبية احتياجاتها الأساسية.
ولقد ساهم انخفاض قيمة الروبية مقابل الدولار الأمريكي على المدى الطويل في زيادة الضغوط الاقتصادية؛ إذ يؤدي ضعف العملة إلى ارتفاع التكلفة المحلية للواردات، بما في ذلك الوقود والآلات والمستلزمات الصناعية. وتنتقل هذه التكاليف عبر سلاسل الإنتاج والتوزيع لتصل في النهاية إلى المستهلكين.
